السبت، 13 ديسمبر 2008

تغريدة البجعة رواية الاعتراف

رواية "تغريدة البجعة" لمكاوي سعيد لاقت نجاحا في سياق التلقي.. وعلى النقد أن يبحث عن أسباب هذا النجاح التي قد يكون من بينها شيوع ثقافة (التعرية) في السياق المعاصر.. فالمتلقي يسعى لرؤية أخطاء الآخرين.. المتلقي يجد العزاء في مطالعة الفضائح والعيوب والمثالب فيمن حوله من باب التطهير أو من باب التخفيف أو من باب الإدانة.. المتلقي الذي وجد "الميديا" تغمره كل ثانية بآلاف الفضائح يرضيه أن يعترف له شخص ما, هو الراوي بالطبع الذي يعلن عن حضوره ومأساته الفردية المرتبطة بمأساة جيل وسياق اجتماعي محلي وعالمي بضمير المتكلم, بأنه مهزوم مطرود من فردوس الماضي المفقود بكل ما فيه من لأأحلام خابت, تلاحقه المفاسد التي يشارك فيها بسلبية ولا مبالاة أو بعدم استناده إلى قيمة أيديولووجية وأخلاقية واضحة, همه الإشباع الحسي والتخدير الروحي والذهني, مع محاولات للتطهير تصله بالبؤساء المعاصرين من اللقطاء والهاربين والمتسربين من جحيم المؤسسة الأسرية والتعليمية, لا هدف لحياته.. وفي النهاية يسعى هذا (البطل الضد) إلى نهايته غير مأسوف عليه ليكون البوح أنشودة النهاية التي تحيل إلى العنوان في بناء دائري.
ربما كانت هذه البنية الاعترافية التي أدارها مكاوي سعيد بنجاح عاملا مهما في استقبال الرواية التي تتنطلق من أبجدية قصصية حافلة بالتشويق وجاذبة للقارئ من منابع التصفح إلى مصب السرد.
ولكن هناك سلبيات فنية.. فأحداث الرواية تقوم في معظمها على المصادفات.. كم من الكوارث والتحولات والإحباطات والعلاقات غير السوية تجتمع في حياة الراوي..
أما الراوي نفسه فهو ذات نموذجية لمخرجات العصر التي تطرح في السياق الاجتماعي شخصيات مريضة مهما كان مستواها الثقافي.. مدمن مخدرات ونساء.. ضيف دائم على العيادة النفسية.. فريسة الاكتئاب الانعزالي أو الهيستيري.. مع نرجسية وثقة غير مبررة تأخذه إلى هزائم متوالية.. وبقايا رومانسية تجعله مركز العالم وتستمد تغذيتها من كونه شاعرا في الأصل.. وينتهي الأمر بالراوي إلى الهلاوس وفقدان القدرة على الفصل بين خيالاته والواقع.
تذكرك كل هذه التوليفة الحريفة بأفلام حسن الإمام, ولكن يحسب للرواية براعة المؤلف الذي منح بطله المأزوم الماضي إلى نهايته وكأنه يغلق ملف جيل لم يحقق ما تمنى ووجد عالما قطع الزمان طريق أمسه عن غده, أنها تعد هجائية صارخة لنمط شخصية المثقف المصري.. تلك الشخصية المنوط بها إدراة سياق المؤسسة الاجتماعية روحيا وعقليا ووجدانيا.. وهي للأسف لم تستطع إدارة برنامج حياتها الاجتماعية بما يرقى بالذات الجمعية في الدرج الحضاري.
    يستعذب القارئ متعة الكشف التي يمارسها الراوي الذي يشغل خانة (الآخر) الاجتماعي في مواجهة ذاك المتلقي السادي المندمج في متابعة حالة تعرية (الراوي/ المتكلم) لذاته, ولكن تمكن المؤلف يظهر في نصوص موازية مع تجربة الاعتراف تتجمع في فضاء السرد صانعة النص الآخر الذي نعيشه جميعا ولكننا نحرص على ألا يرانا أحد ونحن نداري عن أنفسنا مساحة كبيرة من الإخفاق الإنساني الجمعي على المستوى العالمي.
    تخرج رواية "تغريدة البجعة" من ملف نجيب محفوظ في "القاهرة الجديدة", فالبطل يعيش عالما يقترب من عالم محجوب عبد الدايم في قاع المدينة الذي أصبح يجاور سطحها الكلاسيكي القديم في مركز إشعاعه بوسط البلد, صبية الأرصفة يشغلون قلب العاصمة ويشتغلهم المثقفون والخواجات, عالم المقاهي الساهرة المطلة على الاغتراب والوحدة والبرودة, انقسام الذات عبر ثلاثة أنماط: العصامي الذي ينتهي به المطاف إلى التصوف محاولا في وحدته الأخيرة الوصول إلى يقين بعد رحلة طويلة مع الأفكار والبشر, اليساري الذي تحول إلى متشدد يلتمس في رفضه للواقع قناعة يجدد بها طبيعته الباحثة عن دور قيادي وسط الجموع الهامشية, وأخيرا البطل الراوي الذي ينشد مرثية العمر الضائع عبثا دون أن ينتمي لأي شيء.  

الخميس، 11 ديسمبر 2008

يوسف (الكيت كات) يوسف (قص ولصق)

وأنا أشاهد فيلم هالة خليل (قص ولصق) استدعت الذاكرة فيلم (الكيت كات) لداوود عبد السيد وهو مأخوذ عن رواية (مالك الحزين) لإبراهيم أصلان..
في (الكيت كات) كان البطل شابا.. خرج لتوه من مرحلة الصبا مع متغيرات الانفتاح وأحداث يناير 1977م (التي رصدها سينمائيا محمد خان في زوجة رجل مهم)..
كان حلم (يوسف : مالك الحزين/ أو يوسف الكيت كات) أن يرى العالم.. أن يخرج من الحارة الضيقة.. أن يتحرر من متناقضات الأمس واليوم..
اسم يوسف.. والنيل.. والذات المختنقة المختفية خلف احتياجاتها الاجتماعية المحدودة التي تكاد تشبعها.. تلك هي ملامح البطل في (مالك الحزين والكيت كات)..
وتلك هي أهم الملامح التي تطالعنا في شخصية يوسف في (قص ولصق)..
وفي الدورين كان شريف منير.. وكأنه حلقة وصل بين الواقع والدراما..
كأن يوسف هذا هو يوسف ذاك.. بعد أن وصل إلى منتصف العمر.. ولم يفعل شيئا.. ما زال في شقة الأسرة.. مازال يمارس مهنا عشوائية صغيرة.. مازال يكابد في سبيل الحصول على احتياجاته اليومية الصغيرة القليلة.. مازال يحلم بالسفر.. وفرص الحلم تتضاءل يوما بعد يوم..
ومازال يسير على النيل.. ويغطس فيه أحيانا يحاول استرداد ما وقع منه.. بعد أن كان في (الكيت كات) يقفز في النيل وراء خصوم يغيرون خريطة الواقع الاجتماعي لكي تتحول المقهى إلى محل فراخ..
وكأن (قص ولصق) ينطلق من محطة (الكيت كات)..
وكأن هالة حليل تستكمل حوارا مع داوود عبد السيد..