الأحد، 17 مارس 2013

د.سيد محمد قطب: عالم عز الدين شكري


 

 

 

د.سيد محمد قطب

عالم عز الدين شكري

رواية بلا حدود

 

    في سنة 1966م أصدر نجيب محفوظ رواية "ثرثرة فوق النيل" وهو عنوان جميل يليق بعمل سردي ينقد الواقع المقبل على هزيمة 1967م، لكنه في الوقت نفسه يضع قضية الكلام في قلب الصورة، فالكتابة ليست سوى "ثرثرة" والنيل سيظل ينتج "حكايته مانحا حق السرد لمن يجيد صناعة الحكايات أو يدير عملية "الثرثرة الجديرة بالتقدير التي نجد فيها ما تخفيه أعماقنا الفردية والجمعية، إن السارد هو صاحب "فلتات اللسان الصادمة" وأديبنا عز الدين شكري روائي بارع في إنجاز المتخيل الذي تتشكل فيه أحلام البشر وأوهامها، ولد عز الدين شكري في العام نفسه الذي صدرت فيه "ثرثرة فوق النيل" ليحمل هم مواصلة تلك الثرثرة الرائعة التي خطا بها نجيب محفوظ نحو العالمية، لقد قطع عز الدين شكري ستة أشواط في طريقه الروائي نحو العالمية ونقصد بهذه الأشواط رواياته "مقتل فخر الدين/ أسفار الفراعين/ غرفة العناية المركزة/ أبو عمر المصري/ عناق عند جسر بروكلين/ باب الخروج" إن قارئ شكري سيستمتع بالمباراة الروائية التي يديرها هذا المبدع بمهارة تدمج سحر الحكايات بعمق الفكر، وكابوس الواقع بحلم المتخيل، أعمال عز الدين شكري عابرة للمكان والزمان، قادرة على استثمار الواقع بعد قراءة دقيقة له ثم إزاحته بعد الاستحواذ على قلبه الذي سيظهر في الصورة الروائية بعد أن يضخ فيه المؤلف مداد الخيال، إن العقل الروائي لعز الدين شكري يحتفظ بملفات لشخصيات متنوعة، النماذج الذهنية والشعورية والسياسية، معلومات وافية تتم معالجتها في غرفة الرواية المركزة بمكان قصي في شعور المؤلف الذي استطاع بجهد معرفي وصل به إلى درجة عالية من النضج أن يضع أمام منظوره رؤية محددة المعالم للعالم مهما تعددت مدائنه واختلفت أزمانه، الإنسان هو الإنسان، معلق بين اليأس الأسود والفجر المؤجل، حياة تدور في مجالات اللحظة وأخرى مجهولة كحركة شطرنج يحتفظ بها لاعب بارع يموه من أجلها بكثير من ألعاب الانتظار، ركام من التجارب غير المنظورة، عالم بلا أسوار لكنه مغلق بلا تحسينات لأن ما كان يتكرر والتاريخ يعيد طبع روايته الأثيرة كل مرة بغلاف مختلف طبقا لمعطيات تكنولوجيا العصر التي تقدمت في فصل الألوان، في روايات عز الدين شكري تقرأ تجربة الإنسان التي يقصها في لحظات لم يعد يسمعه فيها أحد، إن شكري أستاذ في رواية الشخصية، يعرف كيف يقنعك بنماذجه التي تعيش في فعل إنجاز حكايتها بوعيها، بوح يتدفق حين ينغلق الدكان النفسي على أصحابه، خطاب أوركسترالي لكن كل عازف في مكان منعزل كما يحدث في تسجيل الموسيقى الآلية الآن.

    غرفة العناية المركزة:

    في رواية اسمها "غرفة المصادفة الأرضية" لمجيد طوبيا، يبحث البطل عن امرأة اسمها (مهجة) كان قد التقى بها واختفت، الرواية أربعة فصول، في ثلاثة فصول يقابل الراوي السارد بضمير المتكلم ثلاثة أشخاص يعرفونها (الثلاثة يحبونها) الأول ثائر عربي تلقى في القاهرة العلم والثورة والحياة، تعلق بـ (مهجة) لكنها تركته، أو تجاوزته لأنها لم تجد فيه الفارس المنتظر أو لم يستطع أن يحتفظ بشخصيته الثورية أمام متغيرات التاريخ، الثاني مدير مؤسسة اسمه (رسمي) أيام القطاع العام وبالطبع سقط من نظرها مع الوقت، الثالث هو (ربيع) الفنان التشكيلي المقيم في غرفة يطلق عليها (غرفة المصادفة الأرضية) في هذه الغرفة يبدع ويصادق ويجادل وينفتح على العالم كله بالمصادفة، هذه الشخصيات تشغل ثلاثة فصول، لكن هناك فصلا لمذكرات (مهجة) نفسها، وهو يأتي قبل النهاية لأن الفصل الرابع والأخير يعرض حكاية ربيع.تذكرت "غرفة المصادفة الأرضية" لمجيد طوبيا، أخذني الحنين إلى زمن التكوين، ماذا فعلنا بأحلامنا؟ أو أين ذهبت مهجتنا؟ لماذا سرنا في المنحدر؟ ووجدت أمامي رواية "غرفة العناية المركزة" لعز الدين شكري التي تحتوي هي الأخرى على أربعة فصول، إنها رواية (اعتراف) فالشخصيات الأربع في لحظاتها الأخيرة تحت أنقاض قنصلية تحطمت في السودان، كل شخصية مع نفسها، أو في جزيرتها، أو تعيد رؤية ما قدمت يداها وقد شارفت على الستين مستعيدة تجربتها في انتظار "جودو" أو المنقذ السحري الذي يمكن أن يقتحم الأنقاض من أجلها، كل شخصية تتحدث بضمير المتكلم في فصل خاص وحدها ترجو الخلاص بعد أن أصبح العالم الخارجي لا يمثل لها شيئا لأنها لم تستطع أن تشارك الآخرين في بناء سقفه الأخلاقي والمؤسسي، غرفة العناية المركزة هي البلورة السحرية التي استشرفت ثورة 25 يناير 2011م قبل ثلاثة أعوام من حدوثها، وخيال المؤلف يذهب أبعد من الواقع في باب الخروج التي اتخذت من "الفانتازيا السياسية" مناخا يليق بكابوس اللحظة، ولنطالع بعض نصوص الغرفة:

    "بص حضرتك من الشباك، شايف عمال المسطحات المائية دول؟ طول النهار يضربوا كردون حوالين ورد النيل بالبراميل، وبعدين يلموا الورد في مراكب وينقلوه بره النيل، زي ما بيعملوا مع شبابنا بالضبط، بس كل يوم بيطلع لهم ورد جديد بره الكردون اللي ضربوه، فيروحوا يعملوا كردون على الورد الجديد ويلموه، يكون طلع ورد في المكان القديم، وهكذا. لما الورد كتر عليهم راحوا جابوا المكنة اللي شبه الونش دي، بس مش عارفين يعملوا إيه بيها! لو كان الورد ده شجر كبير كان الونش شاله في نص يوم، لكن حايعمل إيه الونش في شوية ورد متناثر ومالي سطح النهر كله؟ حاليا إحنا نظامنا عامل زي الشجر الكبير، ممكن لا قدر الله الحكومة تهده بالونش. أنا عايزة أغير نظامنا من الاعتماد على الشجر للاعتماد على الورد، على شبكة من الشباب إن شاء الله تبقى زي الورد."[1] إن الصوت السالف يمنحه الروائي عز الدين شكري لشخصية المحامية "داليا الشناوي" التي اتخذت أكثر من سبيل في الحياة وانتقلت بين التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، إنها في لحظة تأمل تصفو فيها النفس وتتحرر من الضغوط المعتادة التي تأسر الرؤية والقرار، ترى الحياة في بلادها من خلال قراءتها لصورة جغرافيتها، صورة النيل شريان مصر وقد انتشر فيه الورد المتزاحم بلا توظيف ولا قيمة يمكن أن يؤديها في سياقه ولكي يستمر هذا السياق مكرسا لوجود سدنته يقوم بحصار هذا الورد ثم اقتلاعه، لكن الورد لا ينتهي، إنه يتجمع بقوة وينادي بعضه بعضا مستقبلا بروحه وجسده الرصاص وقنابل الغاز، إنه يرفض الحصار في سجن الصمت والانقياد والعتمة، يرفض أن يحتجز في المنازل والمعتقلات ، يرفض كتم الصوت وكبح الإرادة  وقطع النور عن الصورة المتوهجة، يرفض أن تسدد مياه النيل إلى قلبه لإطفاء شعلة التجديد، يرفض ألا تكون له معركته، جبهته، قضيته، روايته التي يبدعها صوتا وصورة، يرفض ألا يكون له ميدان يتحرر فيه من أغلال التخلف القاهرة، إنها سنة الحياة، قانون التجدد، زمن التغيير، تدرك المحامية أن المستقبل ليس للشجر الجاف المنهك الذي يكاد يموت واقفا وإنما هو للورد الصغير الزاحف بقوة إلى قلب البلاد متدفقا مع النيل ليحرر الأم من الأسر ويحتفل بميلادها المتجدد مع دخول قرن جديد إذا وضعنا في الاعتبار أن الرواية الصادرة عام 2008 تستحضر تجربة متخيلة تحدث دراميا عام 1995 وتضع الجيل الذي شارف على الستين آنذاك في "غرفة العناية المركزة" باعتبار أنه لم يدرك أن دوره يكاد يقف عند حدود هذه اللحظة وعليه أن يفسح الطريق لجيل آخر، ينطبق هذا على الرواية "داليا الشناوي" أيضا التي تريد أن يحل الورد مكان الأشجار لكنها تكتشف في النهاية أنها أصبحت في قائمة الأشجار وأن دورها في صياغة وجه الحياة كان محدودا ومقيدا ومرسوما لها من قبل المؤسسات الكثيرة التي تدير الدولة بالفكر التآمري. النص السالف دعوة لقراءة الحياة، إننا أمام مشروع لتفعيل نظرية القراءة بحيث يندرج في مفهومها كل صفحة كونية واجتماعية ونفسية وإبداعية وانطلاقا من هذا التصور سيرصد القارئ العلاقات التي تربط هذه المستويات معا ويستخلص المعاني (البائنة/ البعيدة) التي تساعدنا على تطوير برامجنا الحيوية في صناعة الحضارة، يرسخ السرد الفكرة عن طريق الصورة، إنها المرآة التي تتجلى فيها الأفكار والإطار الذي يضم المواقف، يبدو التشبيه التمثيلي رائعا وساطعا في الفضاء الروائي، يبدو جسد المكان وكأنه خلية في صورة أشعة للوطن المريض، الورد الشباب والأشجار السلطة القديمة والونش القوة ونهر النيل أيقونة مصر في أذهان الأمم. أما الصوت فهو لشخصية تماثل الأم التي تبحث عن مستقبل الأبناء قبل أن يأتي يوم الصدام بين موقف الجيلين ويتمرد الورد على الشجر رافضا السلطة الأبوية المصطنعة التي لم تقدم له حياة وإنما تستهلك حياته لتحتفظ بمصدر الارتواء المادي والمعنوي.

    مقال في مظاهر الانهيار:

    الرؤية تحت الأنقاض:

    في "غرفة العناية المركزة" نجد أربعة شخصيات تحت الأنقاض وكأن كل شخصية تمثل أحد أعمدة الغرفة أو أحد جدرانها، مع الوضع في الاعتبار أن العمل الأدبي يتحدث بالتمثيل والرمز فالمقصود بالعنوان في مقام اكتشاف أسباب الانهيار الحضاري قبيل ثورة 25 يناير أن الوطن في حالة مرض تتطلب الإنقاذ وأن الشخصيات الماكثة تحت بقايا المبنى المتفجر يعيش كل منهم لحظة اكتشاف الحقيقة التي كانت هائمة في مخيلته طوال حياته التي يستعرضها وحيدا ويقرأ ما بين سطورها، إنها حالة الوحدة قبيل إتمام التجربة وإسدال الستار بالنسبة لجيل بدأت حواسه تطالع صفحة الوطن مع ثورة يوليه 1952 ونزل إلى السوق عارضا بضاعته منذ نهاية الستينيات في أعقاب النكسة وشكَل قناعته الفكرية والعملية التي حدد بها دوره في العمل المهني والاجتماعي والوطني منذ نهاية السبعينيات مع متغيرات الحلول الفردية وتفكيك أوصال المجتمع وضرب السقف الحافظ للقيم.

    إن هذا الموقف الدرامي يمكن قراءته من خلال التناص القرآني الذي يلاحظه القارئ بصورة غير مباشرة ومن خلال المعالجة النقدية حين يتذكر قول الله جل وعلا :"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"-القرآن الكريم: ق 22 إن الجيل يصل إلى نهاية الطريق وفي "غرفة العناية المركزة" تتذكر كل شخصية بمفردها ما قدمت يداها وبالطبع فإن لحظة الكشف هذه تأتي في وحدة لا يعايش الشخصية أحد فقد انتهى الوقت وبعد انهيار المبنى الذي يضم رموز الجيل الذي أدى دوره وعليه أن يعتزل العمل وقد شارف الستين دون أن يحقق شيئا أصيلا يرضي نفسه ويصلح مجتمعه ويرفع ميزان حسناته عند ربه، لقد سار في الحياة يتعلم ويعمل ويصيب ويقع في الخطيئة مباشرة أو تصور له نفسه يحسن صنعا وهو من الخاسرين أعمالا، تطرح الأسئلة نفسها على كل شخصية فإذا بما تراه  من مظاهر الانحطاط يعكس مسئولية المجتمع كله وبخاصة مسئولية السلطة وبالطبع لا يستطيع أحدا أن يعفي نفسه لأن المفترض أن كل جيل يقدم للجيل التالي له البلاد أكثر تحضرا وجمالا وحينما يكون العكس صحيحا يصبح الجميع مسئولين بشكل أو بآخر، يقول شكري في غرفة العناية المركزة عام 2008م: " كيف انهارت الأمور في مصر إلى هذه الدرجة؟ كيف ضربت الفوضى والإهمال والتسيب وانحدار الكفاءة في كل شيء هكذا وبهذه السرعة؟ من الرقابة على الغذاء إلى فشل الطب وتلوث الهواء والإشعاع في الأغذية وانهيار التعليم من المدرسة إلى الجامعة والبحث العلمي والاستبداد السياسي والتمييز الديني والتعذيب وسيطرة الأمن المركزة على الجامعة وبقية مؤسسات المجتمع والدولة وسيطرة التخلف على عقول الطلبة والنخبة والإرهاب الفكري وتدهور مستوى الثقافة الشعبية منها والرسمية والنخبوية وانتشار الهبل في الصحف والراديو والتليفزيون وإعلاء قيمة المال حتى أصبح المعيار الأول لتحديد الأولويات للفرد والمجتمع والدولة والكسب السريع والانفتاح الاستهلاكي وانهيار دور الدولة في إدارة الشئون العامة من تنظيم المرور إلى تنفيذ أحكام القضاء واستيراد أسوأ ما في الغرب والوقوف ضد أفضل ما فيه وانحطاط المهنية في سائر المهن من السباكة إلى التدريس بالجامعة واختفاء الجمال من تصميم البيوت والمباني والشوارع والحدائق إلى مظهر الرجال والنساء والأطفال والصخب والتفاهة والميلودرامية وطفولة البالغين وإدمان النكد والشقاء والوقوف بالعرض في كل شيء."[2] إن النص الروائي المتدفق في لحظة الكشف يتحول إلى خطاب سياسي واجتماعي يحمل صيحة تحذير كما فعلت "اليمامة" مع قومها، لكن ما يراه الروائي لم يره السياسيون آنذاك، وربما في عصور كثيرة.

    نظرية الجمل:

    مازال لدينا فجوة عميقة بين سلوك المجتمع المدني وعشوائية سكان المدينة، إن القوانين التي تنظم معيارية قواعد المواطنة والمساواة واحترام الملكية العامة مثل احترام الملكية الخاصة والمحافظة على جماليات المدينة ونظافتها وحقوق أهلها المنتمين إليها جميعا في الحياة مع اختلاف توجهاتهم لم تجد في سياقنا الاجتماعي تطبيقا فعليا يرسخها في التعامل اليومي ولم يحرص عليها الخطاب المؤسسي لتظل العشوائية سمة سائدة تفتح الباب أمام السلطة نفسها وأنصارها لاختراق القانون، أمام الإعلام الكوني شاهد العالم كله مجموعة من الخيول ومعهم جمل تدخل ساحة المتظاهرين السلميين صباح الأربعاء الثاني من فبراير، هذا الفعل هو ناتج طريقة تفكير يتحرك بها أصحاب المصالح على مر سنوات طويلة من غياب القانون وترهل المجتمع المدني وفوضى العابثين بمقدرات الشعب، الشيء الغريب أن المبدع المصري اكتشف هذا السلوك العشوائي الذي ينتفع منه كبار الخارجين على القانون وصغارهم بل إن عز الدين شكري في روايته "غرفة العناية المركزة" صاغ على لسان أحد أبطاله الفرق بيننا وبين المجتمع المدني الغربي الذي تحترم فيه دولة المؤسسات وكان الفرق الحاسم بين عشوائيتنا ومدنيتهم محددا في كلمتين هما "نظرية الجمل" التي يقدمها المؤلف على لسان شخصية "نشأت غالب" المحامي:

    " شرح لي أبي نظريته في القاهرة التي أماها "نظرية الجمل". قال إنه يمكنك أن تفعل أي شيء تريده في القاهرة ولن يوقفك أحد، لا توجد هنا تلك اللائحة الطويلة من التعليمات واللوائح والقوانين المقيدة لسلوك البشر مثلما هو الحال في باريس، الناس في الغرب أصبحوا كأنهم نيترونات أو كواكب صغيرة يدورون في أفلاك لا يمكنهم الفكاك منها، في نيويورك أو واشنطن مثلا لو تركت سيارتك في مكان غير مخصص لك لأخذها البوليس في أقل من نصف ساعة أو أوقع عليك غرامة باهظة وربما يتطور الأمر إلى قضية في المحكمة ولو رفضت الدفع لحكم عليك بالسجن ويمكن فعلا أن تذهب إلى للسجن بسبب هذا! في القاهرة لو اشتريت جملا وركبته وأوقفته أمام بيتك لما عارضك أحد، أقصى ما يمكن أن يحدث أن يأتي إليك شرطي المرور ويقول لك بأدب شديد: "من فضلك طلع الجمل قدام شويه علشان الطريق!"" –غرفة العناية: ص186 

    الروائي يكتشف قوانين مدينته والأحداث التي جرت في ثورة 25يناير قدمت البرهان الساطع على كون هذه النظرية اكتشافا معرفيا حقيقيا في تعاملنا مع مفهوم المجتمع المدني. رأى القاص المصري ملامح صورة وطنه بكل ما فيها من أعطال حضارية وانطلقت مصابيح السرد في الروايات الصادرة قبيل الثورة تلتقط أبعاد المرض الجمعي الذي انتشر في سياق يحكمه الفساد المحرض على الجمود لأن التخلف هو البيئة الخصبة التي تنمو فيها طفيليات الطغيان.

 



[1] - عز الدين شكري: غرفة العناية المركزة - دار شرقيات – القاهرة – الطبعة الأولى – 2008م – 129
 
[2]  - غرفة العناية –ص199-200

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

بورخس في مرايا مستجاب: كتاب الألف/ كتاب البأف

                                 بورخس ومستجاب
                          د. س. قطب
    أعود من وقت لآخر إلى "كتاب الألف" لأصافح وجه بورخس في مرآة السرد وهو يشاهد تتابع التجربة الإنسانية تمر أمام بصيرته في منزل كاتب مغمور يدرك أن المكان هو مفتاح علاقته بالعالم وأن الحرف هو الوميض الذي يمنح الأشياء حضورها الذهني فتعيش فينا وتنمو وتتطور دلالاتها مع تاريخ وجودها الرمزي في عالم الذاكرة.
    في الوقت نفسه كان أمامي قصة لأديبنا العربي المصري الصعيدي محمد مستجاب اسمها "هذا كتاب البأف" تحكي بأسلوب ساخر تنعكس فيه الواقعية السحرية في مرآة القصة المصرية، يروي السارد الجمعي المتوحد بالشخصية المصرية مسيرة مضغوطة من تاريخ  طويل وموجز ومكثف ولاضم لخيوط أسطورية وواقعية، تاريخية ومعاصرة، اجتماعية ونفسية، تقدم الإنسان في مصر وهو يرى المتناقضات ويمر على المتغيرات وينتظر أن تتوحد إرادته في إرادة وطنه،  متمردا على التقاليد القصصية النمطية ومتحررا من المنطق وممتطيا صهوات الأحلام وأمواج الهذيان.
    محمد مستجاب يعارض بورخس.
    وإذا كان بورخس يسخر من الإنسان المغرور الناقص معرفيا دائما والمرتحل من منظور إلى مجهول ويتعاطف معه في آن فإن محمد مستجاب يتوحد تماما بذاك الإنسان المقيم المغترب في وادي النيل المعذب بحبيبه تفرض عليه نموذج الفلاح الفصيح ليظل يشكو لها وهي تزف على الغرباء والأدعياء والمشوهين عبر التاريخ منذ أن مزق ست جسد أوزيريس والبطلة تجمع أشلاء يتضح أنها لآخرين لا علاقة لهم ببطلها.
    نصان يستحقان المقارنة كتاب الألف لبورخس وكتاب البأف لمحمد مستجاب لتحديد ملامح الواقعية السحرية في مرآة السرد المصري الذي أفاد من موروثه الخاص وهو يقدم نسخته بمذاق مختلف.ِ
   

السبت، 22 أكتوبر 2011


                                   أنيس منصور: أسلوبية النفي والاغتراب:
                                           د. س. قطب
    تنطلق القراءة الأسلوبية من اللغة, فهي تبحث في اختيارات المبدع من هذا الكنز العظيم الذي تمارسه جماعته الإنسانية عبر التاريخ.

    ويمكن للناقد الأسلوبي أن يرصد أحد المستويات اللغوية للمبدع مثل الأصوات أو الصيغ الصرفية أو البنى النحوية أو تعامل المؤلف مع المعجم اللغوي وتوظيفه لدلالات الألفاظ بمعانيها المتعارف عليها أو تحميلها بدلالات إضافية في نصه.

    ويستطيع الناقد أن يتعامل مع تفاعل هذه المسويات كلها على مستوى النص.

    والنموذج الآتي يوضح العلاقة بين التركيب النحوي والمعنى النصي عند أنيس منصور:

 تحت عنوان "هنا منفى عرابي" يقول أنيس منصور:

    "عشرون عاما من حياة الزعيم أحمد عرابي لا يعرفها أحد.. قضاها في المنفى لم يقربه أحد.. لم يتحدث إليه أحد.. لم يكتب عنه أحد.. الذين عرفوه ماتوا.. الذين اشتركوا معه في الجهاد ماتوا.. الذين أحبوه وساروا وراءه ماتوا.. لم يبق منهم إلا خادمة عجوز تسكن بالقرب من بيته في مدينة كاندي.. إنها لا تتكلم.. ولكن عندما تسمع اسم عرابي تبكي.. لم يبق إلا أربعة من أصدقاء أبنائه في كنجوود كوليدج.. ولكل واحد من هؤلاء قصة ورواية.. ولم يبق إلا سيدة أخرى هي التي تملك البيت الذي كان يسكنه أحمد عرابي..!"

    هكذا بدأ أنيس منصور مقاله أو تحقيقه أو رحلته عن منفى عرابي.. هكذا استطاع أن يجذب انتباه القارئ منذ الاستهلال بالظرف "هنا" الذي يحقق المفارقة وينقل القارئ إلى هناك.. هكذا استطاع أن يثير عاطفة المتلقي بالعنوان الذي يحرك مشاعر الاغتراب والحنين "المنفى" هكذا استطاع أنيس منصور أن يتحدث عن عرابي كما لو كان يتحدث عن الإنسان الكامن في أعماقه.. وجد أنيس منصور خيطا بينه وبين عرابي هو الاغتراب.. إن كلمة "هنا" كأنها تشير إلى قلب الكاتب وعقله.. أنيس منصور الصحفي المغترب.. دارس الفلسفة الإعلامي.. الكاتب الذي يجد ذاته فقط في قلمه.

    في تلك الفقرة الصغيرة يعلن أسلوب أنيس منصور عن شخصيته.. شخصية الإنسان والأديب والإعلامي حينما تنصهر في كيان واحد هو الكلمة.. فالقارئ يكاد يلمس أنيس منصور في هذه السطور.. ولننظر إلى إحدى الصيغ المتكررة عنده وهي النفي ونرى سياقات هذا النفي ودلالاته:

-        عشرون عاما من حياة الزعيم أحمد عرابي لا يعرفها أحد..

حديث عن الزمان والإنسان والمعرفة.. قضية كبيرة ولكنها لم تتخذ الطابع الفلسفي المباشر.. خلفية فلسفية ينطلق منها السعي المعرفي.. سؤال لم يتخذ صيغة الاستفهام.. والنفي نهاية الجملة.. والضمير في (يعرفها) يعود على الأعوام التي قضاها الزعيم في المنفى.. يربط بين الزمن والشخصية والمعرفة..

    ولكنك لو أخذت الجملة الفعلية مستقلة هكذا (لا يعرفها أحد) ستجد التشخيص.. الزمن تصبح له شخصية حينما نعبر عنه بالضمير.. نعم.. إن الضمير يقوم بعملية تشخيص للمعاني.. للأماكن.. للأزمان..في الضمير تحدث عملية تحولات.. إدراك معرفي حيوي وجميل.. (لا يعرفها أحد) جملة تطرح نفسها بقوة في وعي القارئ لأنيس منصور.. من هذه التي (لا يعرفها أحد) هل هي أعوام عرابي في المنفي التي يعود عليها الضمير من الناحية النحوية؟

    هل اتسعت الدلالة وتحولت هذه الأعوام العشرون إلى (حياة لا يعرفها أحد)..

    هل هي حقيقة (لا يعرفها أحد).. إن الضمير من الناحية النحوية له مرجعيته المحددة لكن الدلالة التي يطرحها الضمير في السياق متعددة.. وتلك من مزايا الابتداء بالزمن الذي اختاره أنيس منصور في استهلال الفقرة.  

    - قضاها في المنفى لم يقربه أحد..

    يلاحظ القارئ حرص الكاتب على التوازي.. على تكرار الجملة الفعلية المنفية الفرعية داخل جملة أخرى بمثابة الجملة الأم.. نوع من شعرية الأداء اللغوي.. نوع من التكرار الإيقاعي والتركيبي الجميل.. شخصية شاعر داخل الصحفي الأديب.. ولكن هناك دلالات أخرى خاصة بالموضوع وخاصة بشخصية الكاتب أيضا:

    أنيس الصحفي يقوم بتأكيد أهمية تحقيقه.. موضوعه.. رحلته.. إنه سيحدث القارئ عن قضية لا يعرفها أحد.. وفترة من حياة الزعيم لم يقربه فيها أحد.. ومن هذا النفي المتكرر يحصل على جواز المرور إلى ذهن القارئ المتطلع إلى المعرفة..

    لكن أنيس منصور العقل المرتحل في الأفكار.. والإنسان المغترب مهما اقترب من الأحبة والأصدقاء يحدثنا هنا عن نفسه.. وعن الإنسان الذي بداخله.. الإنسان الذي لم يقترب منه أحد.. ولم يعرفه أحد..

    أنيس منصور يتحدث من خلال عرابي عن الاغتراب الذي يعيش فيه هو الإنسان المفكر الأديب..

    وتكرار النفي يأتي مع تكرار كلمة أحد في كل مرة.. وهذه هي المرة الثالثة:

    - لم يتحدث إليه أحد.. إن النفي يؤكد حالة الوحدة التي تجمع بين (عرابي/أنيس) في نسيج روحي واحد من خلال فعل الكتابة.. وحالة الاغتراب: اغتراب عرابي الزعيم.. واغتراب أنيس الصحفي المرتحل خلف الحقيقة والأديب المرتحل في عالم الفكر.. والإنسان المرتحل في عالمه النفسي الخاص مهما كثر حوله البشر..

    ثم يأتي النفي الرابع:

    - لم يكتب عنه أحد.. هنا يسترد أنيس منصور الإنسان الأديب المفكر أنيس منصور الإعلامي الصحفي الذي سيكتب في موضوع لم يكتب فيه أحد.. مع احتفاظ الأديب بمكانته فهو القلم المتميز الذي لا يتشابه مع أقلام الآخرين.. إن كتابته لا يشاركه فيها أحد لأنها شخصيته الإنسانية..

    ومن المفيد في هذا المقام الإشارة إلى تأكيد مفهوم الوحدة.. لأن النفي المتكرر مع لفظ "أحد" في نهاية الجملة يؤدي هذا الناتج الدلالي بنجاح كبير.. وأنيس منصور ذات تعيش حالة الوحدة كثيرا وتعبر عنها في معظم ما تكتب.. ولكننا هنا لا نقصد التعبير المباشر وإنما نتحدث عن الخصوصية الأسلوبية للإنسان وكيف تكون هذه الخصوصية الأسلوبية بمثابة المرآة التي تعكس نسيج نفسه.

    والتعبير المتكرر بعد ذلك هو: "لم يبق منهم إلا.." الذي يأتي ثلاث مرات في الفقرة.. هنا يؤكد الكاتب أن العجز المعرفي مرفوض.. فهناك دائما محطات للانطلاق.. في كل ليل لا بد من ومضات النجوم.. ذاك الضوء الخافت المتردد الذي يمكن للإنسان أن يستأنس به.. وكل تجربة إنسانية لا بد لها من أثر.. ومن بقايا الآثار يأتي الفن وتستمر الرحلة المعرفية للإنسان.. إن الإبداع لم يكن إلا وقوفا على الأطلال.. إن "بقايا كل شيء" تترك في النفس أثرا يدفعها للبوح وتحقيق ذاتها في الفن والعلم والحضارة.. هذا ما تقوله السمات الأسلوبية لأنيس منصور في الفقرة التي استحضرنا بها تلك الروح المتوقدة التي ألف بها كتابه "حول العالم في 200 يوم".


الأربعاء، 21 يوليو 2010

ثقافة التلقين وملف الإنجاز المضاد في رواية رشاد بلال "كله تمام يا فندم"



    من حق الإسكندرية أن تنظر بفخر إلى صفحتها الروائية الممتدة في ساحل الإبداع المعاصر الذي يقف عليه عمالقة السباحة في بحر السرد من أمثال إدوار الخراط ومحمد جبريل وإبراهيم عبد المجيد ومصطفى نصر وينضم إليهم رشاد بلال بروايته "كله تمام يا فندم" التي تتخذ من فضاء منتصف الستينيات مادة لغزل النسيج السردي المندرج في أكثر من تصنيف فيمكن أن توضع في ملف "رواية النكسة" إذا اعتمدنا على المرحلة التاريخية والحدث المحوري الذي تنتهي به, ويمكن أن نضع الرواية في ملف آخر هو "رواية التكوين" أو رواية التعلم, باعتبارها تعرض حياة بطل أساسي هو الراوي المسيطر على فضاء الحدث, والبطل/ الراوي يكتشف ذاته مع اكتشافه للعالم بعد تخرجه من الجامعة.


الرواية تكشف عن نسق ثقافي يسود في سياقنا الاجتماعي بصورة واضحة وهو نسق التلقين والانصياع الذي يؤدي إلى خروج ناتج إنساني منخدع ومحبط وغير قادر على إدارة حياته في الفضاء المحيط به على المستوى الاجتماعي أما على المستوى النفسي فالذات التي تتأسس في سيطرة هذا النسق الثقافي تظل ضعيفة ومستسلمة وتعاني من انفصال بين ما هي عليه بالفعل وما كانت تراه حلما ورديا ساذجا في زمن التكوين الأول حين كانت تظن أن عليها فقط أن تعرف ما يقدم إليها وأن تحفظ صما ما سوف تلقاه في امتحانات تمرنت عليها.


تخرج هذه الذات إلى العالم وتكتشف رويدا رويدا أنها في قلب خطاب آخر لم تعرفه ولا تفهمه ولم تتدرب على التعامل معه, وتبدأ الأحلام البريئة تتساقط في ضباب الذاكرة متوارية في سرداب الفقد, وتعيش هذه الذات مرحلة موت اجتماعي ونفسي بمعنى الكلمة وتولد منها ذات جديدة ممسوخة منقادة لسياق يطرح نفسه عليها دون قدرة منها على المقاومة أو التمسك بهويتها الحقيقية التي تتسرب من بين أيديها لحظة بلحظة.


من الممكن قراءة "كله تمام يا فندم" بوصفها نصا تؤسسه المفارقة, فالأمور لم تسر أبدا في اتجاه التحقق, وإنما ذهبت في مسار الفشل الفردي والاجتماعي والقومي, وانتهت الرواية بتاريخ جديد يقيم علاقة جناس إيقاعية غريبة مع التاريخ السابق عليه, إنها النكسة التي أتت بعد النكبة, ولأنها نكسة جيل بدأ طفولته بالنكبة فإن سلسلة هزائمه تستمر ليعيش في مرحلة ميلاد النضج تلك الظروف الجديدة, ظروف الهزيمة التي لم يتصورها, ولم يكن واعيا بأن التاريخ يسير إليها, لأن الجيل لم يقرأ تاريخه الشخصي والاجتماعي بوعي, لقد كان متلقيا سلبيا للمنبر الإعلامي الصاخب الهادر بالأغاني والأماني وتمجيد الفرد ومعزولا عن الصورة الكلية التي يمكن أن تصل إليه ملامحها لوكان الخطاب جدليا فيه التعدد ومساحة لصوت الآخر وسيادة لثقافة النقد التي يؤسسها الحوار ويدعمها الفهم.


إن الرواية تخرج من العباءة الإدريسية في"العيب", فيوسف إدريس قدم البطلة التي تكتشف أن العالم مختلف تماما عن مثالياتها الذهنية التي تعلمتها, وانتهى بها الأمر إلى السقوط مع مؤسسة القطاع العام الستينية, كما يلتقي رشاد بلال مع الرؤية المحفوظية الكاشفة لخطاب الازدواج في حياتنا, كيف نتحدث على المستوى العام بطريقة ما بينما نصنع واقعنا ويصنعنا بطريقة مضادة لما نقول.


إن البطل في "كله تمام يا فندم" يقدم إلينا شخصية المثقف النموذجي, المتعلم, الذهني, العاطفي, الذي يتلقى العالم من حوله عبر المذياع (يشغل الراديو في الرواية دورا بطوليا يليق بالمؤسسة الإعلامية الستينية), البطل يمضي من نجاح إلى نجاح في الدراسة والحب حتى تلقيه الجامعة في السوق فيجد أن ملف الإنجاز الحافل بالنجاح في الجامعة لا يسعفه لفهم الواقع الذي يسحبه في اتجاه مضاد تبدأ به رحلة ملف إنجاز عكسي لتنتهي الرواية بتذكر التاريخ (الخامس من يونيه) لكي يظل التاريخ ملتقيا مع العنوان في بناء دائري.


ونحن نصوغ اليوم ثقافة تعليمية جديدة يمكن أن تفيدنا الرواية في كشف سلبيات ملف التلقي والانصياع لتكون حركة المثقف الذهنية والوجدانية منطلقة منذ بداية تعلمه على أساس المشاركة التي تمنحه دورا في تشكيل العالم الذي سيصاحبه طوال حياته ويتغير إلى الأفضل من يوم إلى يوم في كتابة ملف إنجاز نجاح لذات فردية جديرة بتحقيق أحلامها في قلب واقعها الذي تمتلكه بالفعل, إن الرواية ليست خيالا نسرح فيه لنعيش لحظات في عالم تغيب فيه العقول وإنما هي مساحة من العصف الذهني الذي يتوهج فيه ذهن القارئ محاورا الكاتب في خطاب جدلي بصدد المثقف السلبي الذي ينتهي به الحال إلى السقوط بعد أن يتعلم متأخرا في مدرسة الحياة, ويدرك أن التلقين الذي كان يقوم بتسميعه على أساتذته ليسعد الجميع بأن كله تمام, قد كتب في النهاية تاريخا مأساويا, علينا أن ننظر إليه بين الحين والآخر لنفهم عالمتا على نحو أفضل.






الأحد، 18 يوليو 2010

شبح النادي السويسري


أنا عارفة.. أنت لا تريد أن تترك الكلية التي تعرفت عليها وقضيت فيها أربع سنوات.. عارف بعد كذا سنة ستمل وتتمنى لو كنت مشيت في طريق آخر

الثلاثاء، 1 يونيو 2010

نقل فؤادك ما استطعت من الهوى

الشاعر العربي كان على وعي بثائية الحركة والسكون, أو الاغتراب والاستقرار, أو السعي المستمر واللحظة الراصدة, أو الطواف بالعالم والعودة إلى الوطن, وكان هذا الوعي عميقا وإنسانيا।
إننا نرحل لنحل في مكان آخر, ثم نعود إلى منزلنا الأول الذي نظل في حنين دائم إليه, هذا المنزل يمثل بالنسبة لنا في كثير من الأحيان الفردوس المفقود, لأنه زمن الطفولة الأول, لأنه الفضاء الذي شهد بداية وعينا وطموحنا وتطلعنا ورغبتنا في الاكتشاف,لأنه الأرض التي صافحت خطانا حين كنا نتعلم المشي في بداية الرحلة, لأنه الأثير الذي احتوت صدورنا هواءه وحواسنا شذاه وخلاياه وحمل بصمتنا الصوتية ونحن نصرخ ونضحك ونتهجى أبجدية الحياة, لأنه الوطن الذي ضمنا مع أسرتنا التي تتحدث لغتنا ويجمعنا بها التاريخ والحلم, لذلك قال أبو تمام:
نقل فؤادك ما استطعت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل
لاحظ كيف يمكن النظر إلى نص الشاعر كما لو كان تعبيرا عن رحلة, البيت الأول يبدأ بالفعل (نقل) هو دعوة إلى الحركة, الانتقال, المغامرة, الترحال, والبيت الثاني يبدأ بتعبير (كم منزل) والمنزل هو السكون, الحلول, الإقامة, هو النزول من على الراحلة (الجمل/ الحصان) لكي يقر الرحالة, يستقر, وكأن كلمة قارة هي تعبير عن هذا المعنى, فهي منزل في المحيط, هي منطقة استقرار للإنسان الذي يعبر الماء سعيا إلى الرزق المادي والمعنوي, ونقصد بالرزق المعنوي هنا المعرفة.
إن النص السابق لأبي تمام يعبر عن التجربة الإنسانية بأسلوب تمثيلي, ومن الوهم أن نتصور أنه يعبر عن تجربة عاطفية محدودة, فالقضية التي يطرحها تتمثل في العلاقة بين الإنسان والعالم, إنها رحلة الإنسان في الوجود بما فيها من سعي دائم للإشباع الروحي والمادي من أجل أن يعود مرة أخرى إلى الفردوس الذي افتقده. فالإنسان يتنقل, يتحرك, يتكسب, يتعلم, يجوب في الآفاق, يرى أشكالا من الخلق, البشر والحيوان والنبات والطبيعة والأحوال والتقاليد والسلوك, يرى صحوا وشمسا ومطرا وبرقا, يرى الأبيض والأسمر, يرى التشبع والارتواء والتحرر الذي قد يصل إلى الهمجية والتوحش, ويرى الجوع والظمأ والاستعمار والاستعباد, ويظل قلبه هناك, في منزله الأول, في زمن الطفولة, الزمن الذي لم يتحمل فيه مسئولية, الزمن الذي كان فيه بريئا يضحك عندما يفرح ويبكي عندما تبتعد عنه أمه فيشعر بمعنى التيه, ذاك الشعور الذي سيصاحبه في رحلة حياته, أو في اغترابه.
نص أبي تمام فيه اختزال للتجربة الإنسانية, أو تمثيل لها في حركة وسكون, خروج وعودة, الخروج يمكن أن تتعدد معانيه, إنه الميلاد, الخروج إلى الحياة, إنه الخروج من البيت في رحلة التعلم المدرسية, إنه الخروج إلى العمل والرزق, إنه الخروج من مسكن الأسرة إلى سكن جديد حين يبدأ الإنسان رحلة تكوين أسرته في مودة ورحمة فيتخذ له سكنا, يؤسس منزلا جديدا يتحمل مسئوليته, ويصبح له شريك تسكن إليه نفسه, وتستمر الرحلة حتى يخرج الإنسان من هذا العالم عائدا إلى بارئه العظيم آملا أن يتغمده برحمته ليجد له مكانا في الجنة.

الجمعة، 23 أكتوبر 2009

نسرين شكري في إناء فارغ

نسرين شكري في "إناء فارغ"
بين الكائن والممكن
أ.د.سيد محمد قطب

"إناء فارغ" مجموعة قصصية للأديبة الألسنية نسرين شكري, صدرت عن مركز الحضارة العربية, التقطت عدسة نسرين البيانية صورا متعددة لما تعانيه ذات الإنسان المعاصر من تناقض بين الكائن والممكن والكلام والصمت والواقع والحلم والأمس والغد والمتاح والمستحيل والإشباع والفقد.
أزمة التعبير الإنساني قضية محورية في قصص "إناء فارغ", مما يمثل طرحا إبداعيا لمفهوم البيان, فالناس تعيش ظاهرة الصمت برغم تعدد وسائل الاتصال والانتقال في السياق الإنساني, لا تنطق شخصيات نسرين شكري بما في أعماقها, ولا تجد من يستمع أو يفهم أو يلمس شيئا عندها.
تلتقط نسرين شكري الغرباء العابرين في المقهى والشارع, في التاكسي المخنوق خلف الإشارات والمنتظرات على المحطة بحنين وأمل, والمتطلعات في تلفاز محطة المترو لنغمة عاطفية لم يقلها لهن بصدق أحد, والمحاصرات بالاتهامات لأن لهن صوتا, ومن تم تفريغهن من الأعماق وتحميلهن بما يريده النسق الثقافي الاجتماعي الاستسلامي منهن, والشحاذ الذي يتقاسم مع كلبه العزاء في عالم داخله أجوف وخارجه عار.
اقتنصت نسرين مساحة الزيف التي يتحرك فيها الناس بإرادة مسلوبة لتحقيق ما يمليه عليهم السياق, فإذا بالإنسان يتنكر لأحلامه التي أصبحت وهما, ولفكره الذي أضحى عبئا, ولكيانه الذي غدا هشا, ولرؤيته التي أمست ضبابا, وحين عجز عن الحضور الحقيقي الذي يوفر له احترام نفسه تحول إلى متلق سلبي لخطاب اجتماعي جاهز مثل الطعام السابق التحضير الذي يتناوله في المطعم أو لا يتطلب تجهيزه فنا وجهدا.
وتقوم القاصة باستحضار الشخصية من الخارج والحديث عنها بأسلوب المخرج المسرحي, ثم تنفذ إلى أعماقها مانحة صوتها لهؤلاء العاجزين عن ممارسة نعمة البيان التي منحها الله للإنسان, فتعيد للقصة القصيرة دورها في التعبير عن الأصوات المكبوتة, بالإضافة إلى تحول الخطاب القصصي في بعض الأحيان إلى خطاب ثقافي مباشر أو نقد اجتماعي وإنساني ساخر.
توظف نسرين في قصصها بلاغة التقابل, فتحدد قضية إنسانية, تتبعها من خلال مواقف درامية وحالات شعورية, في نموذجين بالتوازي أو التداخل, وفي رأيي أن هذا ناتج عن التأثر بمهنتها بوصفها مترجمة, فكأننا نتابع نصين يحكيان عن تجربتين لكل منهما عالمها, ولكن بينهما التقاء إنساني بحكم وحدة النفس الإنسانية وتشابه منظومات القيم الاجتماعية, ويمكن أن نطلق على بعض أعمالها تعبير السرد التقابلي.