الشاعر العربي كان على وعي بثائية الحركة والسكون, أو الاغتراب والاستقرار, أو السعي المستمر واللحظة الراصدة, أو الطواف بالعالم والعودة إلى الوطن, وكان هذا الوعي عميقا وإنسانيا।
إننا نرحل لنحل في مكان آخر, ثم نعود إلى منزلنا الأول الذي نظل في حنين دائم إليه, هذا المنزل يمثل بالنسبة لنا في كثير من الأحيان الفردوس المفقود, لأنه زمن الطفولة الأول, لأنه الفضاء الذي شهد بداية وعينا وطموحنا وتطلعنا ورغبتنا في الاكتشاف,لأنه الأرض التي صافحت خطانا حين كنا نتعلم المشي في بداية الرحلة, لأنه الأثير الذي احتوت صدورنا هواءه وحواسنا شذاه وخلاياه وحمل بصمتنا الصوتية ونحن نصرخ ونضحك ونتهجى أبجدية الحياة, لأنه الوطن الذي ضمنا مع أسرتنا التي تتحدث لغتنا ويجمعنا بها التاريخ والحلم, لذلك قال أبو تمام:
نقل فؤادك ما استطعت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل
لاحظ كيف يمكن النظر إلى نص الشاعر كما لو كان تعبيرا عن رحلة, البيت الأول يبدأ بالفعل (نقل) هو دعوة إلى الحركة, الانتقال, المغامرة, الترحال, والبيت الثاني يبدأ بتعبير (كم منزل) والمنزل هو السكون, الحلول, الإقامة, هو النزول من على الراحلة (الجمل/ الحصان) لكي يقر الرحالة, يستقر, وكأن كلمة قارة هي تعبير عن هذا المعنى, فهي منزل في المحيط, هي منطقة استقرار للإنسان الذي يعبر الماء سعيا إلى الرزق المادي والمعنوي, ونقصد بالرزق المعنوي هنا المعرفة.
إن النص السابق لأبي تمام يعبر عن التجربة الإنسانية بأسلوب تمثيلي, ومن الوهم أن نتصور أنه يعبر عن تجربة عاطفية محدودة, فالقضية التي يطرحها تتمثل في العلاقة بين الإنسان والعالم, إنها رحلة الإنسان في الوجود بما فيها من سعي دائم للإشباع الروحي والمادي من أجل أن يعود مرة أخرى إلى الفردوس الذي افتقده. فالإنسان يتنقل, يتحرك, يتكسب, يتعلم, يجوب في الآفاق, يرى أشكالا من الخلق, البشر والحيوان والنبات والطبيعة والأحوال والتقاليد والسلوك, يرى صحوا وشمسا ومطرا وبرقا, يرى الأبيض والأسمر, يرى التشبع والارتواء والتحرر الذي قد يصل إلى الهمجية والتوحش, ويرى الجوع والظمأ والاستعمار والاستعباد, ويظل قلبه هناك, في منزله الأول, في زمن الطفولة, الزمن الذي لم يتحمل فيه مسئولية, الزمن الذي كان فيه بريئا يضحك عندما يفرح ويبكي عندما تبتعد عنه أمه فيشعر بمعنى التيه, ذاك الشعور الذي سيصاحبه في رحلة حياته, أو في اغترابه.
نص أبي تمام فيه اختزال للتجربة الإنسانية, أو تمثيل لها في حركة وسكون, خروج وعودة, الخروج يمكن أن تتعدد معانيه, إنه الميلاد, الخروج إلى الحياة, إنه الخروج من البيت في رحلة التعلم المدرسية, إنه الخروج إلى العمل والرزق, إنه الخروج من مسكن الأسرة إلى سكن جديد حين يبدأ الإنسان رحلة تكوين أسرته في مودة ورحمة فيتخذ له سكنا, يؤسس منزلا جديدا يتحمل مسئوليته, ويصبح له شريك تسكن إليه نفسه, وتستمر الرحلة حتى يخرج الإنسان من هذا العالم عائدا إلى بارئه العظيم آملا أن يتغمده برحمته ليجد له مكانا في الجنة.
إننا نرحل لنحل في مكان آخر, ثم نعود إلى منزلنا الأول الذي نظل في حنين دائم إليه, هذا المنزل يمثل بالنسبة لنا في كثير من الأحيان الفردوس المفقود, لأنه زمن الطفولة الأول, لأنه الفضاء الذي شهد بداية وعينا وطموحنا وتطلعنا ورغبتنا في الاكتشاف,لأنه الأرض التي صافحت خطانا حين كنا نتعلم المشي في بداية الرحلة, لأنه الأثير الذي احتوت صدورنا هواءه وحواسنا شذاه وخلاياه وحمل بصمتنا الصوتية ونحن نصرخ ونضحك ونتهجى أبجدية الحياة, لأنه الوطن الذي ضمنا مع أسرتنا التي تتحدث لغتنا ويجمعنا بها التاريخ والحلم, لذلك قال أبو تمام:
نقل فؤادك ما استطعت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل
لاحظ كيف يمكن النظر إلى نص الشاعر كما لو كان تعبيرا عن رحلة, البيت الأول يبدأ بالفعل (نقل) هو دعوة إلى الحركة, الانتقال, المغامرة, الترحال, والبيت الثاني يبدأ بتعبير (كم منزل) والمنزل هو السكون, الحلول, الإقامة, هو النزول من على الراحلة (الجمل/ الحصان) لكي يقر الرحالة, يستقر, وكأن كلمة قارة هي تعبير عن هذا المعنى, فهي منزل في المحيط, هي منطقة استقرار للإنسان الذي يعبر الماء سعيا إلى الرزق المادي والمعنوي, ونقصد بالرزق المعنوي هنا المعرفة.
إن النص السابق لأبي تمام يعبر عن التجربة الإنسانية بأسلوب تمثيلي, ومن الوهم أن نتصور أنه يعبر عن تجربة عاطفية محدودة, فالقضية التي يطرحها تتمثل في العلاقة بين الإنسان والعالم, إنها رحلة الإنسان في الوجود بما فيها من سعي دائم للإشباع الروحي والمادي من أجل أن يعود مرة أخرى إلى الفردوس الذي افتقده. فالإنسان يتنقل, يتحرك, يتكسب, يتعلم, يجوب في الآفاق, يرى أشكالا من الخلق, البشر والحيوان والنبات والطبيعة والأحوال والتقاليد والسلوك, يرى صحوا وشمسا ومطرا وبرقا, يرى الأبيض والأسمر, يرى التشبع والارتواء والتحرر الذي قد يصل إلى الهمجية والتوحش, ويرى الجوع والظمأ والاستعمار والاستعباد, ويظل قلبه هناك, في منزله الأول, في زمن الطفولة, الزمن الذي لم يتحمل فيه مسئولية, الزمن الذي كان فيه بريئا يضحك عندما يفرح ويبكي عندما تبتعد عنه أمه فيشعر بمعنى التيه, ذاك الشعور الذي سيصاحبه في رحلة حياته, أو في اغترابه.
نص أبي تمام فيه اختزال للتجربة الإنسانية, أو تمثيل لها في حركة وسكون, خروج وعودة, الخروج يمكن أن تتعدد معانيه, إنه الميلاد, الخروج إلى الحياة, إنه الخروج من البيت في رحلة التعلم المدرسية, إنه الخروج إلى العمل والرزق, إنه الخروج من مسكن الأسرة إلى سكن جديد حين يبدأ الإنسان رحلة تكوين أسرته في مودة ورحمة فيتخذ له سكنا, يؤسس منزلا جديدا يتحمل مسئوليته, ويصبح له شريك تسكن إليه نفسه, وتستمر الرحلة حتى يخرج الإنسان من هذا العالم عائدا إلى بارئه العظيم آملا أن يتغمده برحمته ليجد له مكانا في الجنة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق