من حق الإسكندرية أن تنظر بفخر إلى صفحتها الروائية الممتدة في ساحل الإبداع المعاصر الذي يقف عليه عمالقة السباحة في بحر السرد من أمثال إدوار الخراط ومحمد جبريل وإبراهيم عبد المجيد ومصطفى نصر وينضم إليهم رشاد بلال بروايته "كله تمام يا فندم" التي تتخذ من فضاء منتصف الستينيات مادة لغزل النسيج السردي المندرج في أكثر من تصنيف فيمكن أن توضع في ملف "رواية النكسة" إذا اعتمدنا على المرحلة التاريخية والحدث المحوري الذي تنتهي به, ويمكن أن نضع الرواية في ملف آخر هو "رواية التكوين" أو رواية التعلم, باعتبارها تعرض حياة بطل أساسي هو الراوي المسيطر على فضاء الحدث, والبطل/ الراوي يكتشف ذاته مع اكتشافه للعالم بعد تخرجه من الجامعة.
الرواية تكشف عن نسق ثقافي يسود في سياقنا الاجتماعي بصورة واضحة وهو نسق التلقين والانصياع الذي يؤدي إلى خروج ناتج إنساني منخدع ومحبط وغير قادر على إدارة حياته في الفضاء المحيط به على المستوى الاجتماعي أما على المستوى النفسي فالذات التي تتأسس في سيطرة هذا النسق الثقافي تظل ضعيفة ومستسلمة وتعاني من انفصال بين ما هي عليه بالفعل وما كانت تراه حلما ورديا ساذجا في زمن التكوين الأول حين كانت تظن أن عليها فقط أن تعرف ما يقدم إليها وأن تحفظ صما ما سوف تلقاه في امتحانات تمرنت عليها.
تخرج هذه الذات إلى العالم وتكتشف رويدا رويدا أنها في قلب خطاب آخر لم تعرفه ولا تفهمه ولم تتدرب على التعامل معه, وتبدأ الأحلام البريئة تتساقط في ضباب الذاكرة متوارية في سرداب الفقد, وتعيش هذه الذات مرحلة موت اجتماعي ونفسي بمعنى الكلمة وتولد منها ذات جديدة ممسوخة منقادة لسياق يطرح نفسه عليها دون قدرة منها على المقاومة أو التمسك بهويتها الحقيقية التي تتسرب من بين أيديها لحظة بلحظة.
من الممكن قراءة "كله تمام يا فندم" بوصفها نصا تؤسسه المفارقة, فالأمور لم تسر أبدا في اتجاه التحقق, وإنما ذهبت في مسار الفشل الفردي والاجتماعي والقومي, وانتهت الرواية بتاريخ جديد يقيم علاقة جناس إيقاعية غريبة مع التاريخ السابق عليه, إنها النكسة التي أتت بعد النكبة, ولأنها نكسة جيل بدأ طفولته بالنكبة فإن سلسلة هزائمه تستمر ليعيش في مرحلة ميلاد النضج تلك الظروف الجديدة, ظروف الهزيمة التي لم يتصورها, ولم يكن واعيا بأن التاريخ يسير إليها, لأن الجيل لم يقرأ تاريخه الشخصي والاجتماعي بوعي, لقد كان متلقيا سلبيا للمنبر الإعلامي الصاخب الهادر بالأغاني والأماني وتمجيد الفرد ومعزولا عن الصورة الكلية التي يمكن أن تصل إليه ملامحها لوكان الخطاب جدليا فيه التعدد ومساحة لصوت الآخر وسيادة لثقافة النقد التي يؤسسها الحوار ويدعمها الفهم.
إن الرواية تخرج من العباءة الإدريسية في"العيب", فيوسف إدريس قدم البطلة التي تكتشف أن العالم مختلف تماما عن مثالياتها الذهنية التي تعلمتها, وانتهى بها الأمر إلى السقوط مع مؤسسة القطاع العام الستينية, كما يلتقي رشاد بلال مع الرؤية المحفوظية الكاشفة لخطاب الازدواج في حياتنا, كيف نتحدث على المستوى العام بطريقة ما بينما نصنع واقعنا ويصنعنا بطريقة مضادة لما نقول.
إن البطل في "كله تمام يا فندم" يقدم إلينا شخصية المثقف النموذجي, المتعلم, الذهني, العاطفي, الذي يتلقى العالم من حوله عبر المذياع (يشغل الراديو في الرواية دورا بطوليا يليق بالمؤسسة الإعلامية الستينية), البطل يمضي من نجاح إلى نجاح في الدراسة والحب حتى تلقيه الجامعة في السوق فيجد أن ملف الإنجاز الحافل بالنجاح في الجامعة لا يسعفه لفهم الواقع الذي يسحبه في اتجاه مضاد تبدأ به رحلة ملف إنجاز عكسي لتنتهي الرواية بتذكر التاريخ (الخامس من يونيه) لكي يظل التاريخ ملتقيا مع العنوان في بناء دائري.
ونحن نصوغ اليوم ثقافة تعليمية جديدة يمكن أن تفيدنا الرواية في كشف سلبيات ملف التلقي والانصياع لتكون حركة المثقف الذهنية والوجدانية منطلقة منذ بداية تعلمه على أساس المشاركة التي تمنحه دورا في تشكيل العالم الذي سيصاحبه طوال حياته ويتغير إلى الأفضل من يوم إلى يوم في كتابة ملف إنجاز نجاح لذات فردية جديرة بتحقيق أحلامها في قلب واقعها الذي تمتلكه بالفعل, إن الرواية ليست خيالا نسرح فيه لنعيش لحظات في عالم تغيب فيه العقول وإنما هي مساحة من العصف الذهني الذي يتوهج فيه ذهن القارئ محاورا الكاتب في خطاب جدلي بصدد المثقف السلبي الذي ينتهي به الحال إلى السقوط بعد أن يتعلم متأخرا في مدرسة الحياة, ويدرك أن التلقين الذي كان يقوم بتسميعه على أساتذته ليسعد الجميع بأن كله تمام, قد كتب في النهاية تاريخا مأساويا, علينا أن ننظر إليه بين الحين والآخر لنفهم عالمتا على نحو أفضل.
دائما تضع يديك على الجرج يا دكتور، نشكرك على هذا الربط والتحليل، إذ منظومتنا الثقافية كاملة تحتاج إلى مثل تلك النقدات، وليت كل الجيل يدرك ذلك فيثور على التخطيط المسبق لعقولهم، وكأنهم قطيع، في كتاب صدر في مكتبة الأسرة بعنوان "المعلمون بناة ثقافة" يرى مؤلفه البرازيلي الأصل أن التلميذ يتعلم 90% من سلوكيات المعلم و10% من علمه، فإذا ما كان المعلم متسلط أو منهزم أو مستسلم لما يفرض عليه أن ينفذه بحيث يعمل وفق خطة رسمت له باليوم والساعة، فقد فقدنا قدرة المعلم على الإبداع الآني، وهو بسهولة ينقل ذلك إلى طلابه، وعلى أجيالنا السلام.
ردحذفمع حبي وتقديري.
تلميذك العجوز حسام