أنيس منصور: أسلوبية النفي والاغتراب:
د. س. قطب تنطلق القراءة الأسلوبية من اللغة, فهي تبحث في اختيارات المبدع من هذا الكنز العظيم الذي تمارسه جماعته الإنسانية عبر التاريخ.
ويمكن للناقد الأسلوبي أن يرصد أحد المستويات اللغوية للمبدع مثل الأصوات أو الصيغ الصرفية أو البنى النحوية أو تعامل المؤلف مع المعجم اللغوي وتوظيفه لدلالات الألفاظ بمعانيها المتعارف عليها أو تحميلها بدلالات إضافية في نصه.
ويستطيع الناقد أن يتعامل مع تفاعل هذه المسويات كلها على مستوى النص.
والنموذج الآتي يوضح العلاقة بين التركيب النحوي والمعنى النصي عند أنيس منصور:
تحت عنوان "هنا منفى عرابي" يقول أنيس منصور:
"عشرون عاما من حياة الزعيم أحمد عرابي لا يعرفها أحد.. قضاها في المنفى لم يقربه أحد.. لم يتحدث إليه أحد.. لم يكتب عنه أحد.. الذين عرفوه ماتوا.. الذين اشتركوا معه في الجهاد ماتوا.. الذين أحبوه وساروا وراءه ماتوا.. لم يبق منهم إلا خادمة عجوز تسكن بالقرب من بيته في مدينة كاندي.. إنها لا تتكلم.. ولكن عندما تسمع اسم عرابي تبكي.. لم يبق إلا أربعة من أصدقاء أبنائه في كنجوود كوليدج.. ولكل واحد من هؤلاء قصة ورواية.. ولم يبق إلا سيدة أخرى هي التي تملك البيت الذي كان يسكنه أحمد عرابي..!"
هكذا بدأ أنيس منصور مقاله أو تحقيقه أو رحلته عن منفى عرابي.. هكذا استطاع أن يجذب انتباه القارئ منذ الاستهلال بالظرف "هنا" الذي يحقق المفارقة وينقل القارئ إلى هناك.. هكذا استطاع أن يثير عاطفة المتلقي بالعنوان الذي يحرك مشاعر الاغتراب والحنين "المنفى" هكذا استطاع أنيس منصور أن يتحدث عن عرابي كما لو كان يتحدث عن الإنسان الكامن في أعماقه.. وجد أنيس منصور خيطا بينه وبين عرابي هو الاغتراب.. إن كلمة "هنا" كأنها تشير إلى قلب الكاتب وعقله.. أنيس منصور الصحفي المغترب.. دارس الفلسفة الإعلامي.. الكاتب الذي يجد ذاته فقط في قلمه.
في تلك الفقرة الصغيرة يعلن أسلوب أنيس منصور عن شخصيته.. شخصية الإنسان والأديب والإعلامي حينما تنصهر في كيان واحد هو الكلمة.. فالقارئ يكاد يلمس أنيس منصور في هذه السطور.. ولننظر إلى إحدى الصيغ المتكررة عنده وهي النفي ونرى سياقات هذا النفي ودلالاته:
- عشرون عاما من حياة الزعيم أحمد عرابي لا يعرفها أحد..
حديث عن الزمان والإنسان والمعرفة.. قضية كبيرة ولكنها لم تتخذ الطابع الفلسفي المباشر.. خلفية فلسفية ينطلق منها السعي المعرفي.. سؤال لم يتخذ صيغة الاستفهام.. والنفي نهاية الجملة.. والضمير في (يعرفها) يعود على الأعوام التي قضاها الزعيم في المنفى.. يربط بين الزمن والشخصية والمعرفة..
ولكنك لو أخذت الجملة الفعلية مستقلة هكذا (لا يعرفها أحد) ستجد التشخيص.. الزمن تصبح له شخصية حينما نعبر عنه بالضمير.. نعم.. إن الضمير يقوم بعملية تشخيص للمعاني.. للأماكن.. للأزمان..في الضمير تحدث عملية تحولات.. إدراك معرفي حيوي وجميل.. (لا يعرفها أحد) جملة تطرح نفسها بقوة في وعي القارئ لأنيس منصور.. من هذه التي (لا يعرفها أحد) هل هي أعوام عرابي في المنفي التي يعود عليها الضمير من الناحية النحوية؟
هل اتسعت الدلالة وتحولت هذه الأعوام العشرون إلى (حياة لا يعرفها أحد)..
هل هي حقيقة (لا يعرفها أحد).. إن الضمير من الناحية النحوية له مرجعيته المحددة لكن الدلالة التي يطرحها الضمير في السياق متعددة.. وتلك من مزايا الابتداء بالزمن الذي اختاره أنيس منصور في استهلال الفقرة.
- قضاها في المنفى لم يقربه أحد..
يلاحظ القارئ حرص الكاتب على التوازي.. على تكرار الجملة الفعلية المنفية الفرعية داخل جملة أخرى بمثابة الجملة الأم.. نوع من شعرية الأداء اللغوي.. نوع من التكرار الإيقاعي والتركيبي الجميل.. شخصية شاعر داخل الصحفي الأديب.. ولكن هناك دلالات أخرى خاصة بالموضوع وخاصة بشخصية الكاتب أيضا:
أنيس الصحفي يقوم بتأكيد أهمية تحقيقه.. موضوعه.. رحلته.. إنه سيحدث القارئ عن قضية لا يعرفها أحد.. وفترة من حياة الزعيم لم يقربه فيها أحد.. ومن هذا النفي المتكرر يحصل على جواز المرور إلى ذهن القارئ المتطلع إلى المعرفة..
لكن أنيس منصور العقل المرتحل في الأفكار.. والإنسان المغترب مهما اقترب من الأحبة والأصدقاء يحدثنا هنا عن نفسه.. وعن الإنسان الذي بداخله.. الإنسان الذي لم يقترب منه أحد.. ولم يعرفه أحد..
أنيس منصور يتحدث من خلال عرابي عن الاغتراب الذي يعيش فيه هو الإنسان المفكر الأديب..
وتكرار النفي يأتي مع تكرار كلمة أحد في كل مرة.. وهذه هي المرة الثالثة:
- لم يتحدث إليه أحد.. إن النفي يؤكد حالة الوحدة التي تجمع بين (عرابي/أنيس) في نسيج روحي واحد من خلال فعل الكتابة.. وحالة الاغتراب: اغتراب عرابي الزعيم.. واغتراب أنيس الصحفي المرتحل خلف الحقيقة والأديب المرتحل في عالم الفكر.. والإنسان المرتحل في عالمه النفسي الخاص مهما كثر حوله البشر..
ثم يأتي النفي الرابع:
- لم يكتب عنه أحد.. هنا يسترد أنيس منصور الإنسان الأديب المفكر أنيس منصور الإعلامي الصحفي الذي سيكتب في موضوع لم يكتب فيه أحد.. مع احتفاظ الأديب بمكانته فهو القلم المتميز الذي لا يتشابه مع أقلام الآخرين.. إن كتابته لا يشاركه فيها أحد لأنها شخصيته الإنسانية..
ومن المفيد في هذا المقام الإشارة إلى تأكيد مفهوم الوحدة.. لأن النفي المتكرر مع لفظ "أحد" في نهاية الجملة يؤدي هذا الناتج الدلالي بنجاح كبير.. وأنيس منصور ذات تعيش حالة الوحدة كثيرا وتعبر عنها في معظم ما تكتب.. ولكننا هنا لا نقصد التعبير المباشر وإنما نتحدث عن الخصوصية الأسلوبية للإنسان وكيف تكون هذه الخصوصية الأسلوبية بمثابة المرآة التي تعكس نسيج نفسه.
والتعبير المتكرر بعد ذلك هو: "لم يبق منهم إلا.." الذي يأتي ثلاث مرات في الفقرة.. هنا يؤكد الكاتب أن العجز المعرفي مرفوض.. فهناك دائما محطات للانطلاق.. في كل ليل لا بد من ومضات النجوم.. ذاك الضوء الخافت المتردد الذي يمكن للإنسان أن يستأنس به.. وكل تجربة إنسانية لا بد لها من أثر.. ومن بقايا الآثار يأتي الفن وتستمر الرحلة المعرفية للإنسان.. إن الإبداع لم يكن إلا وقوفا على الأطلال.. إن "بقايا كل شيء" تترك في النفس أثرا يدفعها للبوح وتحقيق ذاتها في الفن والعلم والحضارة.. هذا ما تقوله السمات الأسلوبية لأنيس منصور في الفقرة التي استحضرنا بها تلك الروح المتوقدة التي ألف بها كتابه "حول العالم في 200 يوم".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق