المبدع يعبر عن مجموعة إنسانية، إنه ينطق بصوت فئة من الناس تجمع بينها أفكار ومشاعر ورؤى وأحلام وحالات نفسية، بمعنى أنه يقوم بدور المترجم، فإذا كانت الترجمة هي الإظهار والوضوح وإجلاء الغموض وتحويل لغة لا نعرفها إلى لغة تجمع بيننا عن طريق واحد منا هو المترجم، فإن الإبداع هو المفهوم ذاته، فالبشر تعيش بينها وبين نفسها بلغة المشاعر والوجدان، فقد تشعر باختناق وتبدأ في تحديد أسباب كثيرة له، ولكنها غير مقنعة، ثم نقرأ بيتًا واحدًا من الشعر، فإذا بك تقول: هذه هي حالتي، أو هذا هو ما يدور في أعماقي، لأن الشاعر ترجم إحساسك دون أن يراك من خلال قدرته على لمس المنطقة الإنسانية في أعماقه وتحويل حالته إلى كلمات، فإذا بهذه المنطقة مشتركة بينه وبين الآخرين، وإذا بك أحد الذين يعبر عنهم الشاعر، فإذا كنت تشعر بالغربة دائمًا، وقرأت بيت أبي القاسم الشابي القائل:
إنِّي أنا الرُّوحُ الَّذي سيظَلُّ في الدُّنيا غَريبْ
فإنك بعد قراءته ستشعر أن هذا هو ما كنت تبحث عنه।
إنِّي أنا الرُّوحُ الَّذي سيظَلُّ في الدُّنيا غَريبْ
فإنك بعد قراءته ستشعر أن هذا هو ما كنت تبحث عنه।
وإذا كنت من النوع الكتوم الذي لا يشكو ويعيش معاناته مع نفسه، واستمعت إلى بيت أبي فراس الحمداني:
بَلى أَنا مُشتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَةٌ وَلَكِنَّ مِثلي لايُذاعُ لَهُ سِرُّ
ستقول: حقًا أنا مثل هذا الشاعر।
بَلى أَنا مُشتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَةٌ وَلَكِنَّ مِثلي لايُذاعُ لَهُ سِرُّ
ستقول: حقًا أنا مثل هذا الشاعر।
وإذا كنت طموحًا تسعى لآمال بعيدة المنال وتشعر أنك مختلف عن البشر، وأنك ستحقق نجاحًا لم يحققه أحد من قبل، وطالعت بيت أبي العلاء المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ
ستشعر بنشوة، وينمو فيك التحدي، وكأنك تحلق في الفضاء، وترى أن هذا البيت يدل على شخصيتك تمامًا.
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ
ستشعر بنشوة، وينمو فيك التحدي، وكأنك تحلق في الفضاء، وترى أن هذا البيت يدل على شخصيتك تمامًا.
وإذا كنت من النوع العاطفي الدائم الحنين إلى الماضي بما فيه من أماكن وشخصيات وأحداث، وتعيش في هذه الحالة المعروفة باسم «النوستالجى»، فالذي لا ريب فيه أن بيتى مجنون ليلي:
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى أُقَبِّلُ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى أُقَبِّلُ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا
سيطوفان بذهنك كلما عبرت بمدرستك القديمة، أو بمنازل بعض أقاربك، أو بالمدينة الجامعية التي أقمت فيها حينما كنت في جامعة عين شمس।
سيطوفان بذهنك كلما عبرت بمدرستك القديمة، أو بمنازل بعض أقاربك، أو بالمدينة الجامعية التي أقمت فيها حينما كنت في جامعة عين شمس।
وإذا تذكرت صديقًا عزيزًا عليك لم تره منذ أيام الدراسة الإعدادية أو الثانوية، وأنت تسمع شعر إبراهيم ناجي:
ربما تجمعنا أقدارُنا ذات يومٍ بعدما عزَّ اللقاء
فإن هذا الشعر سيؤثر فيك... وهكذا الشعر يشغل مساحة في القلب وفي المواقف اليومية على حد سواء بمعنى أنه يعيش فينا، ونحن نعيش أحيانًا بمعانيه ونتداوله في لحظات نترجم فيها عن أنفسنا، ونشعر أن هذا الصوت البعيد الذي قال هذه الكلمات يلمسنا ويسري في نفوسنا.
ربما تجمعنا أقدارُنا ذات يومٍ بعدما عزَّ اللقاء
فإن هذا الشعر سيؤثر فيك... وهكذا الشعر يشغل مساحة في القلب وفي المواقف اليومية على حد سواء بمعنى أنه يعيش فينا، ونحن نعيش أحيانًا بمعانيه ونتداوله في لحظات نترجم فيها عن أنفسنا، ونشعر أن هذا الصوت البعيد الذي قال هذه الكلمات يلمسنا ويسري في نفوسنا.
من هذا العرض يصبح الشعر رسالة بين طرفين دائمًا أحدهما الذي قال حين شعر والآخر الذي تمثل القول حين أدرك معناه।
وهذا الطرح يقدم لنا أهمية العلاقة بين المبدع والمتلقي بوصفها ثنائية إنسانية حيوية مهمة من جهة وبوصفها أيضًا علاقة تؤكد قيمة البعد الآخر، أو أهمية الآخر، أو الإحساس بالآخر، ولا نظن أن الآخر هنا هو المتلقي دائمًا، وأن المبدع هو الذات الأولى، فهناك حالات ليست بالقليلة يكون المتلقي فيها هو الذات التي تتصدر العلاقة، ويبدو المبدع بعيدًا في الخلفية بوصفه الآخر الذي أحس به المتلقي، وأدرك البعد الإنساني فيه।
احيانا اتسائل لماذا عند قراتى لشعر ما اشعر وكانه موجه من اجلى فغالبا يقابلنا مواقف فى الحياة او نتعرض لمشاكل نجد ان الشاعر ايضا كان يشكو ويتالم ويعانى ويسره بعض الاحداث مثلنا تماما
ردحذفلكن الاصعب هو ان توصل الاحساس بصدق فيظن المتلقى انك تتحدث عنه وهنا يكون النجاح